top of page

كَتَبَهُ
ضياء زاد
عمود المقال
٢٦ يونيو ٢٠٢٦
أسد على المنتخب وفي المصلحة نعامة!
فرسان المعارك الآمنة
ما أكثركم فرسانا أشاوس في معارك المبادئ المجانية. وما أكثركم شاءً أجافيل أمام أبخس الأثمان!
ما أكثركم انتهازيين وصوليين، ومدعين منافقين، إذ تقرعون أسماعنا بشعارات العفة والفضيلة، ولا يدور الحق -بظنكم- عندكم إلا حول مطامعكم وتطلعاتكم -على طغيانها، أو رداءتها وتفاهتها-. وإذ تعيشون وتموتون لأجل الشكل والظاهر، وتحكمكم الهيأة والقالب، وأكثركم من فحش دواخلكم يخجل الفحش!
ما أكثركم متبجحين متسلطين متغطرسين داخل حظائركم، وعبر نوافذها، متضعين مستكينين خاشعين خارجها!
تطالبون المنتخب المصري لكرة القدم بالامتناع عن لعب مباراته أمام منتخب إيران معاداةً للمثلية!
ما الذي قد يخسره أحدكم بامتناع المنتخب عن لعب هذه المباراة؟ لا شيء!
إذا يا أيها المنتخب..
لتقاطع المباراة ألف مرة!
ولتضيع مجهوداتكم سدى!
ولتُصَبَّ على أحلامكم وطموحاتكم لعنات السماء صبا!
وليذهب كأس العالم إلى الجحيم!
يا أيها المنتخب لا شيء فوق المبادئ والقيم!
ولِيُبَحَّ في ذلك الصوت! …
ما أبرقها خطبا منبرية! وما أسطعها عبارات ضخمة حنجورية!
ولكن بالمقابل، ما الذي يمكن أن يخسره أحدكم بعدم التواجد على منصة تواصل تدعم المثليين، أو تسمح بوجودهم، وتؤيد تعبيرهم عن ذواتهم، وميولاتهم، كـ "فيس بوك"، أو "إنستغرام"، أو "إكس"، أو "واتساب"؟
سيخسر تواجده الرقمي. والبعض سيخسر متابعيه -رأس مال بعضهم، وعلى رأسهم مولاكم المرياع-!
ما الذي يمكن أن يخسره أحدكم بعدم شرائه لهاتف، أو حاسوب، أو برنامج تشغيل من شركة تدعم ذات القضية، كـ "آبل"، أو "سامسونج"، أو "مايكروسوفت"؟ سيخسر تواصله، وربما عمله!
ما الذي يمكن أن يخسره أحدكم بعدم استخدامه لمحرك البحث "غوغل"، أو الاستغناء عن مشاهدة إنتاجات "نتفليكس"، أو غالب منتجات "هوليوود"، أو التخلي عن قهوة "ستارباكس"، أو الاستغناء عن "أمازون" في التسوق، أو تجاوز "أيكيا" في تأثيث منزله... إلخ؟
بالطبع كل هذه خسائر كبيرة، لا تُحتمل، ولا يطيقها إنسان. وإن كان من أصحاب المباديء الرفيعة، والقيم الباسقة الجليلة!
كما لا يمكن اعتبار محاولة تجنب كل تلك الخسائر دربا من النفاق، أو انتهازية خبيثة، أو نفعية رخيصة! أليس كذلك؟
في الحقيقة ليس كذلك البتة!
لنقل أن قضية المباراة قد حُلَّت بشكل ما، وعلى نحو يرضي فضيلتكم. فأين كنتم قبلها!؟ وما موقعكم بعدها!؟
المنتخب السعودي، والقطري، والجزائري يرتدون قمصانا من تصميم وإنتاج شركة "أديداس" الداعمة للمثلية، ويحملون شعارها. والمنتخبان المصري والمغربي يرتديان قمصانا من إنتاج شركة "بوما" الداعمة أيضا للمثلية، ويحملان شعارها.
بطولة كأس العالم نفسها، يعلن كثير من أبرز الرعاة لها، المنفقين عليها، دعمهم الصريح والواضح للمثلية.
الدوري الإنجليزي لكرة القدم، والدوري الإسباني، والدوري الألماني، والدوري الإيطالي، والدوري الفرنسي، وغيرهم الكثير، وكثير من رعاتهم جميعا يدعمون المثلية.
والقائمة تطول، وتطول. في كرة القدم، وكل رياضة، وكل مجال تقريبا.. الطعام، والشراب، والتقنية، والاتصالات، والتجارة، والنقل، والمواصلات، والفنادق، والفن.. إلخ.
هذا فضلا عن من يقيم بين ظهرانيهم. أو من يبذل لأجل ذلك حثيثا!
بعيدا عن كأس العالم، ومباراة المنتخبين المصري والإيراني، وكرة القدم جميعها، ففي الحقيقة لا تكاد تكون هناك طريقة معتبَرة لإيصال صوتٍ يُسمَع يعادِي المثلية، دون أن يكون صاحب هذا الصوت قد دعم المثلية بمحاولته تلك بشكل ما!
ولذلك فيمكن بأريحية اعتبار دلالة صدق ادعاء أحدكم -حال كان واعيا- في معاداته المثلية في أن يخرس صوته.
وبالمقابل يمكن اعتبار كل رافع صوته بمعاداة المثلية، محض مدع منافق، أو شاة بلهاء. إذ يعنيه ارتداء الفضيلة -بتقديره-، ولو كان في محاولته ارتداءها معينا على نقيضها، مادام يَمنح ارتداؤها وسامَ الشرف، والثمن بخس، أو بلا مقابل! أو أنه ينعق مع الناعقين!
في النهاية لست أتناول هنا الحق في التعبير. كما لا أتناول الحق والباطل. إنما أشير إلى نفاقكم وانتهازيتكم وضعفكم وجبنكم.
كما لكم أن تطالبوا المنتخب بمقاطعة المباراة، ولكن عليكم قبل ذلك أن تقطعوا طريقا طويلة جدا. وأن تضحوا تضحيات جسام. على نحو سينتهي بكم بالضرورة إلى عدم القدرة على مطالبتهم -المنتخب- بمقاطعتها، لأنه لن يكون لكم حينها صوتا يُسمَع.
وهذا لا يعني أن لكم الآن صوتا يُسمَع. وإن سُمِعَ أن يُعتَبر له. لكن على الأقل حينها ستكونوا بشرا متسقين!
كما أن للدولة المستضيفة أن تسن ما يحلو لها من قوانين، مادامت لا تنتقص من حقوق الإنسان، أو تمارس إقصاءً، أو تحض على عنف أو كراهية. وللضيف أن يرضخ لقوانينها، أو فليغادر.
أليست هذه قوانين حظائركم قبل أن تكون قوانينهم!؟
أليس هذا منهجكم في العدل والإنصاف!؟
أجل.. أجل.. بتمام، ولكن مع تجاوز فقرة حقوق الإنسان!